السيد كمال الحيدري
89
شرح كتاب المنطق
الشرح ذكرنا فيما سبق : أنّ الأوّليات لا تحتاج إلى دليل خارج عن ذاتها ولا إلى دليل معها ، بل لا يمكن إقامة الدليل عليها ، كقولنا : اجتماع النقيضين محال ، وهذا هو القسم الأوّل من اليقينيات . وأمّا القسم الثاني ، فهي : القضايا التي يمكن الاستدلال عليها أوّلًا ، وتحتاج إلى دليل مركّب من صغرى وكبرى ثانياً . ولكنّ الأوسط في الدليل يلازم تلك القضية ولا ينفكّ عنها ، وهي القضايا الفطرية . ونتيجة ذلك أنّ الإنسان لكي يصدّق بالقضايا الفطرية ، لا يحتاج إلى فكر . وقد ذكرنا سابقاً : أنّ الفكر يمرّ بمراحل متعدّدة من المجهول إلى المعلوم ، ثمّ السير في المعلوم ، ثمّ الانتقال منه إلى المجهول ، وقلنا : إنّ السير في المعلوم في المرحلة الثانية من عملية الفكر إنّما هو لاكتشاف الحدّ الأوسط في الاستدلال . وهذا الحدّ الأوسط لا يغيب عن الذهن في الفطريات ولا يحتاج إلى تأمّل للكشف عنه ، لأنّه حاضر عند النفس . فإنّ عملية الاستدلال - كما هو معلوم - أنّك تواجه المشكل ، ثمّ تنتقل منه إلى المعلوم الموجود عندك ، ثمّ تبحث في المعلوم . والبحث فيه يعني الكشف عن الحدّ الأوسط - كما تقدّم - ثمّ تنتقل من المعلوم إلى المجهول مرّة أخرى . أمّا القسم الثالث من اليقينيات ، وهي الحسّيات والمتواترات . . . إلخ فتفتقر إلى عملية استدلال عليها ، ولكنّ الحدّ الأوسط غائب يحتاج إلى فكر ، بخلافه في القسم الثاني ، فإنّه يحتاج إلى حدّ أوسط ولكنّه حاضر لدى الذهن . وعلى هذا الأساس ، فلا تحتاج القضايا الفطرية إلى دليل خارج عنها ، وتحتاج إلى دليل داخلي . وهذا معنى أنّ قياساتها معها ، أي أنّها تحتاج إلى دليل ملازم لها ، بخلاف الأوّليات .